المقريزي
88
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
يدي السّلطان من أجل عيوب فوادح ، حقّق فيها شكاته عليه القوادح . وما زال في السّيرة مذموما ، ومن العامّة والخاصّة ملوما - وقال له : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأمرك أن تتقدّم لسائر المؤذّنين بأن يزيدوا في كلّ أذان قولهم : « الصّلاة والسّلام عليك يا رسول اللّه » ، كما يفعل في ليالي الجمع . فأعجب الجاهل هذا القول ، وجهل أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا يأمر بعد وفاته إلّا بما يوافق ما شرعه اللّه على لسانه في حياته . وقد نهى اللّه سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عن الزّيادة فيما شرعه حيث يقول : أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [ الآية 21 سورة الشورى ] . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إيّاكم ومحدثات الأمور » ؛ فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة « 1 » . وتمّت هذه البدعة ، واستمرّت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشّام ، وصارت العامّة وأهل الجهالة ترى أنّ ذلك من جملة الأذان الذي لا يحلّ تركه ، وأدّى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الإلحاد في الأذان ببعض القرى السّلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا . فلا حول ولا قوّة إلّا باللّه ، وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون ! وأمّا « التّسبيح في اللّيل على المآذن » ، فإنّه لم يكن من فعل سلف الأمّة . وأوّل ما عرف من ذلك أنّ موسى بن عمران - صلوات اللّه عليه - لمّا كان ببني إسرائيل في التّيه بعد غرق فرعون وقومه ، اتّخذ بوقين من فضّة مع رجلين من بني إسرائيل ينفخان فيهما وقت الرّحيل ، ووقت النّزول ، وفي أيّام الأعياد ، وعند ثلث الليل الأخير من كلّ ليلة . فتقوم عند ذلك طائفة من بني لاوي - سبط موسى عليه السّلام - ويقولون نشيدا منزّلا بالوحي ، فيه تخويف وتحذير وتعظيم للّه تعالى وتنزيه له تعالى ، إلى وقت طلوع الفجر . واستمرّ الحال على هذا كلّ ليلة مدّة حياة موسى - عليه السّلام - وبعده أيّام يوشع بن نون ومن قام في بني إسرائيل من القضاة . إلى أن قام بأمرهم داود - عليه السّلام - وشرع في عمارة بيت المقدس ، فرتّب في كلّ ليلة عدّة من بني لاوي يقومون عند ثلث الليل الآخر : فمنهم من يضرب بالآلات كالعود والسّنطير والبربط والدّفّ والمزمار ، ونحو ذلك . ومنهم من يرفع عقيرته بالنّشائد المنزّلة بالوحي على نبيّ اللّه موسى - عليه السّلام - والنّشائد المنزّلة بالوحي على داود - عليه السّلام . ويقال إنّ عدد بني لاوي هذا كان ثمانية وثلاثين ألف رجل قد ذكر تفصيلهم في كتاب الزّبور . فإذا قام هؤلاء ببيت المقدس ، قام في كلّ محلّة من محالّ بيت المقدس رجال يرفعون
--> ( 1 ) المقريزي : السلوك 3 : 639 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 10 : 331 .